## الذهب يعود بهدوء إلى المسرح المالي العالمي



يشهد النظام النقدي الأكثر إثارة للجدل في تاريخ التمويل المعاصر انتعاشًا هادئًا. تشير المزيد من الأدلة إلى أن البنوك المركزية وسوق المشاركين حول العالم يعيدون النظر في نظام الذهب القياسي الذي تم نفيه على نطاق واسع سابقًا. هذا ليس تحولًا مفاجئًا، بل عملية حتمية مدفوعة بمنطق اقتصادي عميق وواقعية صعبة.

### الجذور السياسية لانهيار النظام الذهبي

لفهم سبب التخلي عن النظام الذهبي، يجب العودة إلى ثلاثينيات القرن الماضي. حينها، واجه فرانكلين روزفلت تأثير الكساد الكبير، حيث نص قانون الاحتياطي الفيدرالي على أن على البنوك المركزية أن تحتفظ بما يكفي من الذهب لدعم ما لا يقل عن 40% من النقود الورقية المتداولة. اقتراب احتياطيات الذهب من الحد الأقصى، أصبح عائقًا أمام توسع الحكومة في عرض النقود.

كانت خطة حكومة روزفلت هي مصادرة الذهب الخاص ورفع السعر الرسمي من 20.67 دولار للأونصة إلى 35 دولارًا، مما أدى إلى زيادة قيمة الذهب على ميزانية الاحتياطي الفيدرالي بنسبة 69%. بهذه الطريقة، حصلت البنوك المركزية على مساحة أكبر لطباعة النقود. بحلول عام 1972، قطع الرئيس نيكسون الاتصال النهائي بين الدولار والذهب تمامًا.

**جوهر الأمر، أن التخلي عن النظام الذهبي هو خيار اتخذته الحكومات لزيادة سلطتها.** فالذهب القياسي قيد خلق النقود، وهذا يشكل قيودًا على الطبقات السياسية التي تسعى إلى التوسع المستمر. حققت الولايات المتحدة خلال 180 سنة من ارتباطها بالذهب أكبر نمو طويل الأمد في التاريخ، ولم تتعرض لتضخم كبير. لكن بعد انفصال الدولار عن الذهب، انخفض معدل النمو الاقتصادي الأمريكي بمقدار الثلث تقريبًا — وهو "ثمن" يتحمله في النهاية الأسر العادية.

### أزمة الديون والثقة في العملة الخارجة عن السيطرة

نظام العملة القانونية أطلق العنان لاندفاع الحكومة نحو الإنفاق، وتظهر عواقبه تدريجيًا. ديون العالم قد توسعت إلى 300 تريليون دولار، وهو ما يعادل ثلاثة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي العالمي. كما أن الديون الداخلية في الولايات المتحدة سجلت أرقامًا قياسية، حيث جاء جزء كبير من النمو الاقتصادي خلال الـ 18 شهرًا الماضية من استهلاك بطاقات الائتمان.

بالضبط، هذا التوسع غير المستدام في الديون بدأ يدفع الدول إلى إعادة التفكير في استقرار الأساس النقدي.

### الإشارات وراء جنون البنوك المركزية في شراء الذهب

أوضح تحول هو سلوك البنوك المركزية في شراء الذهب. ففي عام 2022، بلغ صافي شراء البنوك المركزية للذهب 1136 طنًا، وهو أعلى مستوى منذ عام 1950. واستمرت هذه الاتجاهات في عام 2023، حيث بلغ صافي شراء الذهب 1037 طنًا، وهو العام الثاني على التوالي الذي تتجاوز فيه عمليات الشراء 1000 طن.

الدول التي تقود هذا الاتجاه هي الصين، الهند، روسيا، تركيا وغيرها من الأسواق الناشئة. تعكس أفعالهم شكوكًا عميقة في قيمة الدولار على المدى الطويل، واحتياجًا حقيقيًا لإنشاء نظام عملة بديل.

### تجارب العملات في الاقتصادات الناشئة

التحركات في دول البريكس تستحق اهتمامًا خاصًا. فقد توسع هذا التحالف من خمس دول أصلية (البرازيل، روسيا، الهند، الصين، جنوب أفريقيا) إلى مجموعة من عشر دول بحلول عام 2024، مع أكثر من 40 دولة تتقدم بطلب للانضمام. يسعى البريكس إلى استكشاف إنشاء نظام دفع بديل، وتقليل الاعتماد على الدولار في التجارة العالمية.

حتى أن الهند بدأت في تجربة إصدار سندات حكومية قائمة على الذهب. وحتى زيمبابوي، التي تعاني من تضخم مفرط، تحولت إلى الذهب كمخزون احتياطي. على الرغم من أن هذه المبادرات لا تزال صغيرة، إلا أنها تعكس اتجاهًا واضحًا — السوق تتجه من الدولار إلى أصول ذات قيمة داخلية أكبر، والذهب هو الخيار الأكثر منطقية.

### دور العملات الرقمية

الارتفاع المستمر في سوق العملات الرقمية هو إشارة مهمة أيضًا. هذا الاهتمام الواسع بالأصول الرقمية يعبر جوهريًا عن أن السوق يبحث عن بدائل للعملة في ظل تدهور موثوقية العملات القانونية، ويبحث عن طرق إنقاذ.

### الآثار الاقتصادية لعودة النظام الذهبي

إذا تحولت العالم حقًا إلى نظام عملة مرجعية على الذهب، فإن العواقب الاقتصادية ستكون عميقة. أولاً، ستواجه أسعار الذهب ضغط ارتفاع هائل. وفقًا للمحلل المالي جيم ريكاردز، لتحقيق دعم كامل لنظام العملات العالمي بالذهب، قد يحتاج سعر الذهب إلى أن يستقر عند حوالي 27,000 دولار للأونصة — أي عدة أضعاف السعر الحالي.

ثانيًا، فإن إحياء النظام الذهبي سيواجه مقاومة هائلة، خاصة من قبل المؤسسات السياسية والمالية التي تعتمد على قدرة غير محدودة على خلق النقود. ومع ذلك، فإن منطق التاريخ دائمًا يحدد بواسطة الواقع الاقتصادي: عندما يواجه النظام النقدي القانوني أزمة ثقة، من الضروري وجود مقياس قيمة موضوعي لإعادة بناء النظام. لقد كان للذهب دور في العملة لمدة 5000 سنة، والعودة إلى هذا الدور هو حتمية، وليس صدفة.

وفي النهاية، دائمًا ما تتغلب المنطق الاقتصادي وقوى السوق على المقاومة السياسية. إن إحياء النظام الذهبي مرة أخرى ليس رجعية مثالية، بل خيار حتمي يفرضه الواقع الصعب.
شاهد النسخة الأصلية
قد تحتوي هذه الصفحة على محتوى من جهات خارجية، يتم تقديمه لأغراض إعلامية فقط (وليس كإقرارات/ضمانات)، ولا ينبغي اعتباره موافقة على آرائه من قبل Gate، ولا بمثابة نصيحة مالية أو مهنية. انظر إلى إخلاء المسؤولية للحصول على التفاصيل.
  • أعجبني
  • تعليق
  • إعادة النشر
  • مشاركة
تعليق
0/400
لا توجد تعليقات
  • تثبيت